الثلاثاء، 31 مارس 2026

مساعٍ أمريكية لتقليص أهداف الحرب وسط ضغوط اقتصادية

  ترجمة عن تقرير اليوم من مجلس العلاقات الخارجية 

 

مساعٍ أمريكية لتقليص أهداف الحرب وسط ضغوط اقتصادية

حدد مسؤولون كبار في إدارة ترامب هذا الأسبوع أهدافاً أكثر محدودية للحرب، مع تصاعد التكاليف على المستهلكين الأمريكيين. وصرح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أمس أن أهداف تقويض القدرات العسكرية الإيرانية قد تحققت في الغالب. وفي حين رفضت السكرتارية الصحفية للبيت الأبيض تأكيد ما إذا كان إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل هدفاً "جوهرياً"، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن ترامب أبلغ مساعديه باستعداده لإنهاء الحرب حتى لو ظل المضيق مغلقاً في الغالب. ومع ذلك، هدد ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أمس بتدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم يتم إعادة فتحه. وتسببت الحرب في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث تجاوز متوسط سعر البنزين 4 دولارات للجالون اليوم للمرة الأولى منذ عام 2022.


آخر المستجدات الدبلوماسية

صرح وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحفيين اليوم أن المفاوضات مع إيران "حقيقية للغاية" و"تزداد قوة". كما يزور وزير خارجية باكستان الصين اليوم لإجراء محادثات بشأن الحرب، حيث صرح متحدث باسم الخارجية الصينية أن بكين "تشيد وتدعم" جهود الوساطة الباكستانية ومستعدة للعمل من أجل السلام.

تطورات الأعمال العدائية

أعلنت أنقرة أن الدفاعات الجوية لحلف الناتو أسقطت صاروخاً إيرانياً فوق تركيا أمس للمرة الرابعة هذا الشهر. كما هاجمت إيران محطة لتحلية المياه في الكويت، مما أسفر عن مقتل عامل، واستهدفت ناقلة نفط قبالة سواحل دبي. وأفادت وكالة "فارس" الإيرانية شبه الرسمية أن ضربة أمريكية إسرائيلية على دار للأيتام غرب طهران قتلت شخصين على الأقل. وفي لبنان، قُتل اثنان من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أمس، مما دفع مجلس الأمن الدولي لجدولة اجتماع طارئ اليوم.

"لا شك أن تغيير النظام [في إيران] سيكون النتيجة المثالية. لكن لا توجد وسيلة لإسناد هذه المهمة إلى القوات العسكرية. بل يمكن القول إن استخدام القوة العسكرية حتى الآن جعل هذه النتيجة أقل احتمالاً، حيث قدمت الحرب قادة أكثر راديكالية وصرفت التركيز الشعبي عن سوء إدارة النظام للاقتصاد وقمع المعارضة." 

ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية (CFR)

 

 


تلاقي وتصادم بين فؤاد شهاب والمصالح الأمريكية

 

صعود وانحسار «النهج»: تلاقي وتصادم بين فؤاد شهاب والمصالح الأمريكية

تُعدّ المرحلة الشهابية (1958–1970) الفترة الأبرز في مسار بناء مؤسسات الدولة في لبنان، لكنها في الوقت نفسه شكّلت ميدانًا لصراع ظاهر وخفي بين مشروع «الدولة السيّدة» وبين قوى دولية وإقليمية رأت في ترسيخ مؤسسات قوية تهديدًا لنفوذها. ويُظهر التحليل التاريخي أن العلاقة مع الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب انتقلت من «احتضان ضروري» إلى «إضعاف منهجي».

أولًا: من «خيار اضطراري» إلى استقلال مُقلق

انطلقت علاقة فؤاد شهاب بواشنطن من بوابة التسوية. فبعد أزمة عام 1958، وجد الموفد الأمريكي روبرت مورفي في قائد الجيش اللبناني الشخصية الوحيدة القادرة على تأمين انسحاب مشرّف لقوات المارينز وتهدئة الأوضاع الداخلية. وصل شهاب إلى الحكم عبر توافق (أمريكي–ناصري)، لكنه سرعان ما بدأ ينتهج سياسة مستقلة:

  • معادلة «اتفاق القاهرة»: من خلال لقائه مع جمال عبد الناصر عام 1959، رسّخ شهاب مبدأ «لا تبعية للغرب ولا انصهار في العروبة»، ما أثار قلق الدوائر الأمريكية التي كانت تطمح لانخراط لبنان بشكل واضح في المحور الغربي.

  • حماية «المكتب الثاني»: أسّس شهاب جهاز استخبارات عسكرية قويًا لم يقتصر عمله على الداخل، بل امتد لضبط نشاط السفارات الأجنبية (ومنها الأمريكية والبريطانية) التي تعاملت مع لبنان كساحة مفتوحة، الأمر الذي ولّد احتكاكًا مع الأجهزة الاستخباراتية الدولية.

ثانيًا: إرهاصات التآمر... انقلاب 1961 وكشف التوتر

شكّلت محاولة الانقلاب التي نفّذها الحزب السوري القومي الاجتماعي ليلة رأس السنة 1961 نقطة تحوّل مفصلية. وعلى الرغم من فشلها، فإن التحقيقات والمناخ السياسي آنذاك أشارا إلى «تغاضٍ» أو دعم غير مباشر من قوى غربية (بريطانية وأمريكية) رأت في النهج المؤسساتي الشهابي عائقًا أمام مشاريعها الإقليمية وتقاربه مع القاهرة. وقد أدى فشل الانقلاب إلى تشديد قبضة «المكتب الثاني»، وهو ما استثمره خصوم شهاب داخليًا وخارجيًا لتوصيف عهده بأنه «دولة أمنية».

ثالثًا: «الحلف الثلاثي»... الأداة الأمريكية لإسقاط «النهج»

مع أواخر الستينيات وتصاعد أجواء الحرب الباردة، وجدت واشنطن في «الحلف الثلاثي» (كميل شمعون، ريمون إده، وبيار الجميّل) الوسيلة المناسبة لإضعاف الشهابية من داخل النظام الديمقراطي:

  1. دعم انتخابات 1968: حظي الحلف الثلاثي بدعم سياسي وإعلامي واسع من دوائر غربية خلال الانتخابات النيابية، حيث جرى تقديمه كـ«حامٍ للحريات» في مواجهة نفوذ العسكر (المكتب الثاني)، بينما كان الهدف الفعلي تقويض الجهاز الأمني الذي يضمن استقلال القرار الشهابي.

  2. التمويل والتنسيق: تُظهر مذكرات دبلوماسية أن السفارة الأمريكية في بيروت لعبت دورًا محوريًا في جمع أطراف الحلف الثلاثي، رغم خلافاتهم، لتشكيل جبهة مسيحية متماسكة في مواجهة التفاهمات الشهابية–الناصرية.

  3. انتخابات الرئاسة عام 1970: كانت هذه المرحلة بمثابة «الضربة الحاسمة». مارست واشنطن ضغوطًا لمنع عودة فؤاد شهاب (الذي اختار عدم الترشح)، ولعرقلة وصول إلياس سركيس. واتجه الدعم الأمريكي نحو الحلف الثلاثي والمرشح الوسطي سليمان فرنجية، الذي فاز بفارق صوت واحد، وبدأ فور توليه السلطة بتفكيك بنية المكتب الثاني والأسس الإدارية للشهابية.

لم يكن الصدام بين الولايات المتحدة وفؤاد شهاب ناتجًا عن خصومة شخصية، بل عن «تعارض جوهري في المصالح». فقد سعى شهاب إلى بناء «دولة مؤسسات» منيعة ضد الاختراق، في حين فضّلت القوى الدولية واليمين التقليدي (الحلف الثلاثي) إبقاء لبنان «ساحة مفتوحة» للتجاذبات التجارية والسياسية والخدماتية. ومع أفول النهج الشهابي عام 1970، تلاشى عنصر التوازن الأمني والإداري الذي كان يحمي البلاد، ما مهّد الطريق للانفجار الكبير عام  1975.



الجمعة، 27 مارس 2026

من "اتفاقية القاهرة" إلى "جبهات الإسناد":

 من "اتفاقية القاهرة" إلى "جبهات الإسناد":

اسقاط الشهابية كمقدمة لصناعة لبنان الساحة.
لا يمكن فهم الواقع العسكري والسياسي الذي يعيشه لبنان اليوم بمعزل عن التصدعات الكبرى التي حدثت في نهاية الستينيات. إن الصراع الدائر اليوم (2024 - 2026) ليس وليد الصدفة، بل هو الامتداد التاريخي لقرار "شرعنة" العمل المسلح خارج إطار الدولة، وهو القرار الذي مرّ عبر مخاض عسير بدأ بسقوط "الشهابية" وصعود "الحلف الثلاثي".

1. تصدّع الداخل: "الحلف الثلاثي" والمظلة الغربية
بدأ الانزلاق حين نجح "الحلف الثلاثي" (شمعون، إده، الجميل) في انتخابات 1968 بضرب "النهج الشهابي". لم يكن هذا الحلف مجرد تكتل محلي، بل حظي بدعم ورعاية غربية (أمريكية وفرنسية) واضحة.

الأدلة السياسية: كشفت التقارير الدبلوماسية والوثائق المسربة عن ترحيب واشنطن بكسر هيبة "المكتب الثاني" (الاستخبارات العسكرية) الذي كان يوازن بدقة بين السيادة والعروبة.

خطاب "الحياد": رأت العواصم الغربية في خطاب الحلف الثلاثي "سدّاً منيعاً" ضد التمدد الناصري والسوفيتي، مما شجع أقطاب الحلف على المطالبة بتدويل الأزمة واستدعاء قوات دولية، وهو ما اعتبره المعسكر العربي تهديداً مباشراً لأمنه القومي.

2. عبد الناصر في مواجهة "حلف بغداد الجديد"
في القاهرة عام 1969، لم يكن جمال عبد الناصر يمارس دور "المستغل" بقدر ما كان يمارس دور "المحاصر". لقد تحرك بعقلية الدفاع عن المعقل الأخير أمام ضغوط جيوسياسية هائلة:

فوبيا الأحلاف الغربية: عبرت صحيفة "الأهرام" وإذاعة "صوت العرب" آنذاك عن قلق ناصر العميق من أن يكون صعود الحلف الثلاثي مقدمة لعودة سياسة الأحلاف (على غرار حلف بغداد 1955) من البوابة اللبنانية، مما قد يحول بيروت إلى قاعدة استخباراتية معادية لمصر.

المزايدة السورية والبعثية: كان النظام في دمشق يزايد على ناصر في دعم الفدائيين، مما وضعه أمام خيارين: إما الصدام مع الشارع العروبي، أو احتواء العمل المسلح باتفاقية منظمة.

تأطير الفوضى: مع تفلّت السلاح الفلسطيني في الجنوب، قدم ناصر "اتفاقية القاهرة" كـ "إطار تنظيمي" اضطراري لمنع انفجار حرب أهلية كان يراها قادمة بسبب الاستقطاب الحاد بين يمين مدعوم غربياً ويسار وفلسطينيين مدعومين عربياً.

3. من "فتح لاند" إلى "المقاومة الإسلامية"
شرعنت اتفاقية القاهرة أول "تنازل سيادي" رسمي تحت وطأة هذه الظروف، حيث وُلد مفهوم "ساحة المساندة". ومع تغير الزمان وتطور الأيديولوجيا من "العمل الفدائي" إلى "المقاومة الإسلامية" (حزب الله)، ظل الجوهر البنيوي واحداً: تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة لتصفية حسابات المحاور الكبرى وتوازن الردع الإقليمي.

إن ما يشهده لبنان اليوم هو الثمرة المرة لتلك الحقبة. فالدعم الغربي للحلف الثلاثي أدى لإضعاف "الدولة الشهابية" التي كانت قادرة على ضبط التوازنات، مما دفع ناصر "مضطراً" لفرض اتفاقية القاهرة كخيار لملء الفراغ السيادي. تلك الاتفاقية لم تكن مجرد وثيقة تاريخية، بل كانت الحجر الأساس الذي قام عليه "لبنان الساحة"، والذي لا نزال نعيش تداعياته في كل مواجهة حدودية تجري اليوم.
( الصورة : الزعيم جمال عبد الناصر والرئيس فؤاد شهاب في مباحثات على الحدود السورية اللبنانية )


بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟

  بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟ في اللحظة التي كانت فيها سحب الدخان تغطي سماء الجنوب والبقاع، و...