الثلاثاء، 31 مارس 2026

تلاقي وتصادم بين فؤاد شهاب والمصالح الأمريكية

 

صعود وانحسار «النهج»: تلاقي وتصادم بين فؤاد شهاب والمصالح الأمريكية

تُعدّ المرحلة الشهابية (1958–1970) الفترة الأبرز في مسار بناء مؤسسات الدولة في لبنان، لكنها في الوقت نفسه شكّلت ميدانًا لصراع ظاهر وخفي بين مشروع «الدولة السيّدة» وبين قوى دولية وإقليمية رأت في ترسيخ مؤسسات قوية تهديدًا لنفوذها. ويُظهر التحليل التاريخي أن العلاقة مع الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب انتقلت من «احتضان ضروري» إلى «إضعاف منهجي».

أولًا: من «خيار اضطراري» إلى استقلال مُقلق

انطلقت علاقة فؤاد شهاب بواشنطن من بوابة التسوية. فبعد أزمة عام 1958، وجد الموفد الأمريكي روبرت مورفي في قائد الجيش اللبناني الشخصية الوحيدة القادرة على تأمين انسحاب مشرّف لقوات المارينز وتهدئة الأوضاع الداخلية. وصل شهاب إلى الحكم عبر توافق (أمريكي–ناصري)، لكنه سرعان ما بدأ ينتهج سياسة مستقلة:

  • معادلة «اتفاق القاهرة»: من خلال لقائه مع جمال عبد الناصر عام 1959، رسّخ شهاب مبدأ «لا تبعية للغرب ولا انصهار في العروبة»، ما أثار قلق الدوائر الأمريكية التي كانت تطمح لانخراط لبنان بشكل واضح في المحور الغربي.

  • حماية «المكتب الثاني»: أسّس شهاب جهاز استخبارات عسكرية قويًا لم يقتصر عمله على الداخل، بل امتد لضبط نشاط السفارات الأجنبية (ومنها الأمريكية والبريطانية) التي تعاملت مع لبنان كساحة مفتوحة، الأمر الذي ولّد احتكاكًا مع الأجهزة الاستخباراتية الدولية.

ثانيًا: إرهاصات التآمر... انقلاب 1961 وكشف التوتر

شكّلت محاولة الانقلاب التي نفّذها الحزب السوري القومي الاجتماعي ليلة رأس السنة 1961 نقطة تحوّل مفصلية. وعلى الرغم من فشلها، فإن التحقيقات والمناخ السياسي آنذاك أشارا إلى «تغاضٍ» أو دعم غير مباشر من قوى غربية (بريطانية وأمريكية) رأت في النهج المؤسساتي الشهابي عائقًا أمام مشاريعها الإقليمية وتقاربه مع القاهرة. وقد أدى فشل الانقلاب إلى تشديد قبضة «المكتب الثاني»، وهو ما استثمره خصوم شهاب داخليًا وخارجيًا لتوصيف عهده بأنه «دولة أمنية».

ثالثًا: «الحلف الثلاثي»... الأداة الأمريكية لإسقاط «النهج»

مع أواخر الستينيات وتصاعد أجواء الحرب الباردة، وجدت واشنطن في «الحلف الثلاثي» (كميل شمعون، ريمون إده، وبيار الجميّل) الوسيلة المناسبة لإضعاف الشهابية من داخل النظام الديمقراطي:

  1. دعم انتخابات 1968: حظي الحلف الثلاثي بدعم سياسي وإعلامي واسع من دوائر غربية خلال الانتخابات النيابية، حيث جرى تقديمه كـ«حامٍ للحريات» في مواجهة نفوذ العسكر (المكتب الثاني)، بينما كان الهدف الفعلي تقويض الجهاز الأمني الذي يضمن استقلال القرار الشهابي.

  2. التمويل والتنسيق: تُظهر مذكرات دبلوماسية أن السفارة الأمريكية في بيروت لعبت دورًا محوريًا في جمع أطراف الحلف الثلاثي، رغم خلافاتهم، لتشكيل جبهة مسيحية متماسكة في مواجهة التفاهمات الشهابية–الناصرية.

  3. انتخابات الرئاسة عام 1970: كانت هذه المرحلة بمثابة «الضربة الحاسمة». مارست واشنطن ضغوطًا لمنع عودة فؤاد شهاب (الذي اختار عدم الترشح)، ولعرقلة وصول إلياس سركيس. واتجه الدعم الأمريكي نحو الحلف الثلاثي والمرشح الوسطي سليمان فرنجية، الذي فاز بفارق صوت واحد، وبدأ فور توليه السلطة بتفكيك بنية المكتب الثاني والأسس الإدارية للشهابية.

لم يكن الصدام بين الولايات المتحدة وفؤاد شهاب ناتجًا عن خصومة شخصية، بل عن «تعارض جوهري في المصالح». فقد سعى شهاب إلى بناء «دولة مؤسسات» منيعة ضد الاختراق، في حين فضّلت القوى الدولية واليمين التقليدي (الحلف الثلاثي) إبقاء لبنان «ساحة مفتوحة» للتجاذبات التجارية والسياسية والخدماتية. ومع أفول النهج الشهابي عام 1970، تلاشى عنصر التوازن الأمني والإداري الذي كان يحمي البلاد، ما مهّد الطريق للانفجار الكبير عام  1975.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟

  بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟ في اللحظة التي كانت فيها سحب الدخان تغطي سماء الجنوب والبقاع، و...