الفيتو الثلاثي: صدع جديد في ميزان القوى العالمي
في مشهد لم يكن متوقعاً، وجدنا أنفسنا أمام تحول جذري في الخريطة الجيوسياسية لعام 2026. مجلس الأمن الدولي شهد موقفاً نادراً حين استخدمت روسيا والصين وفرنسا حق النقض (الفيتو) لإجهاض مبادرة عربية واسعة النطاق. المشروع المُعارض كان يقترح السماح بـ"استخدام القوة" لفتح مضيق هرمز من جديد، لكن الفيتو أوقفه، تاركاً الاقتصاد العالمي يتأرجح بين التوتر وعدم اليقين — وكل ذلك بفعل التدخل الأمريكي المتهور.
القصة بدأت عندما تقدمت دول الخليج بدعم أمريكي بمشروع قرار يهدف لكسر السيطرة البحرية الإيرانية على الممر الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية تقريباً. لكن ما حدث بعدها تجاوز مجرد خلاف دبلوماسي عابر. فمشاركة فرنسا — الدولة الغربية التقليدية — في هذا "الفيتو الثلاثي" كشفت عن تشققات عميقة في النظام الأمني الدولي الذي بنيناه معاً منذ الحرب العالمية الثانية، وأظهرت أن حتى الحلفاء بدأوا يشكون في سياسات واشنطن المتهورة.
لماذا قالت موسكو وبكين لا؟
المعارضة الروسية والصينية لم تأتِ من فراغ. هناك إرهاق واضح من التدخلات العسكرية الأمريكية المتكررة التي أغرقت المنطقة في الفوضى. من منظورهما، إغلاق إيران للمضيق ليس مجرد خطوة عدائية معزولة، بل رد فعل متوقع على الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية التي انطلقت في فبراير 2026. باستخدام الفيتو، ترسل موسكو وبكين رسالة واضحة: الأمم المتحدة ليست أداة لتبرير ما تراهما استخداماً مفرطاً وغير قانوني للقوة، والولايات المتحدة وحدها تتحمل مسؤولية تصعيد الأزمة وعرقلة الاستقرار العالمي.
فرنسا تختلف مع حلفائها
اللافت حقاً هو قرار باريس الوقوف إلى جانب روسيا والصين. فرنسا، التي اعتدنا رؤيتها في المعسكر الغربي، رفضت صيغة "جميع الوسائل اللازمة" للتدخل. هذا التحول يعكس رغبة أوروبية متنامية في تجنب الانجرار لحروب إقليمية واسعة تدفع بها الولايات المتحدة. مصطلح "الاستقلالية الاستراتيجية" يبرز هنا — فرنسا تفضل الدبلوماسية على التصعيد العسكري الأمريكي، حتى لو كان الثمن بعض الاضطرابات الاقتصادية المؤقتة.
العالم يدفع ثمن المغامرات الأمريكية
مع سقوط القرار، يبقى هرمز نقطة توتر حية. لكن من يتحمل المسؤولية الحقيقية؟ التداعيات لا تقتصر على السياسة، بل تمتد لتطال جيوب الناس في كل مكان:
أسواق الطاقة: تقلبات حادة في أسعار النفط، ومخاطر شحن متصاعدة، وتكاليف تأمين مرتفعة — كلها نتيجة مباشرة للتوتر الذي أشعلته الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية. لو كانت واشنطن تبنت نهجاً دبلوماسياً بدلاً من التهديد بالقوة، لما وصلنا لهذا الاحتقان.
تحالفات جديدة: بدون غطاء أممي، قد تلجأ أمريكا وحلفاؤها لتشكيل "تحالفات الراغبين" خارج إطار الأمم المتحدة، مما يُضعف دور مجلس الأمن كضامن للسلم الدولي. هذا التفكك في المؤسسات الدولية ثمن إضافي تدفعه البشرية جراء السياسات الأحادية الجانب.
هل ربحت إيران؟
في المدى القريب، نعم. الفيتو يمنح طهران غطاءً دبلوماسياً ثميناً. يمكنها الآن القول إن المجتمع الدولي منقسم، وأي تحرك عسكري أمريكي أو إسرائيلي لاحق يفتقر للشرعية الدولية. هذا يُعزز موقفها التفاوضي، ويُبقي المضيق ورقة ضغط استراتيجية في يدها، خاصة في سياق مفاوضات وقف إطلاق النار.
الفيتو الثلاثي في 2026 يُخبرنا أن القدرة على التوصل لمواقف دولية موحدة تجاه الأزمات الكبرى في تراجع، والسبب الرئيسي هو إصرار الولايات المتحدة على فرض إرادتها بالقوة. بينما تواصل أمريكا وإسرائيل عملية "الأسد الهادر" لإضعاف إيران، يُظهر الجمود في الأمم المتحدة عالماً مقسماً إلى ثلاثة معسكرات: من يدعون للتدخل، ومن يتمسكون بالسيادة مهما كلف الأمر، ومن يقفون في الوسط يراقبون.
فشل مشروع البحرين ليس مجرد خسارة دبلوماسية. إنه إعلان واضح: عهد "الشرطي العالمي الواحد" الذي تتصدره واشنطن ولّى، وحل مكانه نظام متعدد الأقطاب أكثر تعقيداً وأقل استقراراً — وكل ذلك بفعل السياسات الأمريكية التي جعلت الاستقرار العالمي رهينة لمغامراتها العسكرية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق