السبت، 11 أبريل 2026

بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟

  بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟

في اللحظة التي كانت فيها سحب الدخان تغطي سماء الجنوب والبقاع، وبينما كانت صرخات الذعر لا تزال تتردد في أزقة بيروت المكتظة بالنازحين، خرجت التصريحات السياسية لتتحدث عن "فرص للسلام". لكن، في الميزان الإنساني والواقعي، يبدو أن هناك هوة سحيقة بين لغة الدبلوماسية الأنيقة وبين دويّ القنابل التي تزن أطنانًا.

لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن التوقيت؛ فأن تعلن إسرائيل استعدادها للمحادثات بعد ساعات فقط من شن واحدة من أعنف الهجمات الجوية في التاريخ الحديث، يضعنا أمام مفارقة مؤلمة. يرى مراقبون أن هذا ليس "غصن زيتون"، بل هو ممارسة لسياسة "كسر العظام ثم عرض العكازات". حين يُقتل المئات في دقائق معدودة، وتتحول قرى بأكملها إلى ركام، يصبح الحديث عن "التفاوض" تحت النار أشبه بمسدس موجه إلى الرأس؛ خيارٌ وحيد لا يقبل القسمة على اثنين: الإذعان أو الفناء.

خلف الستار الإعلامي، تبدو ملامح "السلام" المقترح من منظور تل أبيب بعيدة كل البعد عن مبادئ السيادة الوطنية. الطموحات المعلنة والمستترة تشير إلى واقع مرير يخشاه كل لبناني:

قضم الجغرافيا: الرغبة في تحويل جنوب الليطاني إلى منطقة نفوذ دائمة.

إنهاء الآخر: السعي ليس فقط لردع الخصم، بل لمسحه من المعادلة تماماً، وهو ما يراه الخبراء وصفة لحروب لا تنتهي.

الأمن الدائم مقابل السيادة المفقودة: حين يرتبط الانسحاب بـ"شعور ذاتي بالأمان"، فإن ذلك يعني بقاءً مفتوح الأمد.

إنسانياً، يعيش لبنان مأساة تفوق قدرة الكلمات على الوصف. مليون ومائتا ألف إنسان فقدوا بيوتهم وذكرياتهم في أيام معدودة. في مراكز الإيواء، لا يسأل الناس عن بنود المعاهدات، بل يسألون: "متى نعود؟" و "هل بقي لنا بيت لنعود إليه؟".

ومع تأجيل الانتخابات إلى عام 2028، وغياب حكومة قادرة على لجم الانهيار، يجد المواطن اللبناني نفسه وحيداً أمام آلة حرب ضخمة من جهة، وتجاذبات إقليمية (إيرانية-إسرائيلية) تجعل من أرضه ساحة لتصفية الحسابات.

تلوح في الأفق ملامح ما يسميه المحللون "نموذج غزة": تدمير المربعات السكنية، تهجير السكان، ومن ثم إعلانها مناطق "عسكرية عازلة". هذا الأسلوب لا يهدف لبناء جسور للعيش المشترك، بل لضمان بقاء الأرض بلا سكانها الأصليين، تحت ذريعة الهواجس الأمنية.

إن السلام الذي يولد من رحم الإكراه ليس سلاماً، بل هو "هدنة المنهك". لا توجد مصافحات حقيقية حين تكون يد أحد الأطراف على الزناد وقدمه فوق رقبة الآخر. ما نراه اليوم ليس بحثاً عن استقرار مستدام، بل هو محاولة لفرض واقع جديد بالحديد والنار، وتغليفه بكلمات "السلام" لتسويقه دولياً.

في نهاية المطاف، سيبقى السؤال المعلق في غبار الأنقاض: هل يمكن لمن يهدم البيت أن يعرض على صاحبه الأمان في خيمة فوق ركامه؟


 

الجمعة، 3 أبريل 2026

ترجمة : الولايات المتحدة وإسرائيل تجعلان من "حرب طراز غزة" معياراً جديداً

 هذه ترجمة لمقال برانكو مارتيتش المنشور في مجلة "جاكوبين"

 (Jacobin) بتاريخ 1 أبريل 2026:

الولايات المتحدة وإسرائيل تجعلان من "حرب طراز غزة" معياراً جديداً

بقلم: برانكو مارتيتش

  


في إيران ولبنان، تقوم الجيوش الأمريكية والإسرائيلية بقصف مجمعات سكنية مكتظة، وتدمير البنية التحتية المدنية، وذبح الأطفال، واغتيال العاملين في القطاع الصحي. إذا كان هذا يبدو مألوفاً، فذلك لأنه "كتيب قواعد اللعبة" الذي استُخدم في غزة.


لقد بدت الطريقة التي شُنت بها الحرب المدعومة أمريكياً على غزة مروعة بشكل فريد في التاريخ الحديث. لكن الطريقة التي تشن بها الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران تشير إلى أن تلك الأهوال تتحول بسرعة إلى وضع طبيعي ومعتاد.


إن أحد أكثر الجوانب إثارة للفزع في إبادة غزة — بالإضافة إلى الذبح غير المسبوق للأطفال والأبرياء ومحو مجتمع بأكمله — هو أن المسؤولين في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل كانوا يأملون علناً في جعلها المعيار الجديد والمرعب للحرب الحديثة. وكما نرى الآن في إيران ولبنان، فإنهم لا يضيعون وقتاً في تطبيق هذا المعيار في أماكن أخرى.


في العام الماضي، وبينما كانت غزة ترزح تحت الأنقاض مع مقتل أو إصابة أكثر من 10% من سكانها، نشرت مجلة "نيويوركر" تقريراً صادماً يفيد بأن مجموعة من المحامين العسكريين والخبراء القانونيين الأمريكيين اعتبروا حملة القتل والتدمير الإسرائيلية في غزة ليست مجرد وسيلة مقبولة لإدارة الحرب، بل "بروفة" لصراع مستقبلي مع خصم للولايات المتحدة مثل الصين؛ أي صراع خالٍ من القيود، والالتزام بالقانون الدولي، والحساسية تجاه قتل المدنيين.


بمعنى آخر، ما فعلته إسرائيل بدعم أمريكي كامل في غزة يجب أن يكون "الوضع الطبيعي الجديد" للحرب، على الأقل عندما يقوم به "جانبنا".


إيران كغزة ثانية

بينما تختلف التقديرات، هناك إجماع تقريبي على أن الولايات المتحدة وإسرائيل أسقطتا حوالي ألف ذخيرة يومياً على إيران في الأيام الأولى للحرب، وهو معدل مماثل للأيام الأولى للقصف الإسرائيلي لغزة. ووفقاً لمنظمة "Airwars"، كانت الساعات المئة الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أكثر ضراوة بمرتين من نفس الفترة في غزة قبل ثلاث سنوات.


تشترك الطريقة الأمريكية الإسرائيلية في الحرب على إيران في عدد من الخصائص التي كانت تعتبر فريدة في حرب غزة:


استهداف الأطفال والمدارس: بدأت الحرب بمجزرة للأطفال في قصف أمريكي استهدف مدرسة، مما أسفر عن مقتل أكثر من مئة فتاة.


تدمير المجمعات السكنية: إسقاط قنابل ثقيلة على مبانٍ سكنية بأكملها ودفن الإيرانيين تحت الأنقاض.


تدمير البنية التحتية: وفقاً للهلال الأحمر الإيراني، دمرت إسرائيل أكثر من 90 ألف وحدة سكنية، و300 منشأة صحية، و700 جامعة ومدرسة، بالإضافة إلى محطات تحلية المياه ومواقع تراثية.


الحرب الكيميائية والبيئية: قصف منشآت نفطية في طهران تسبب في سحب من الأدخنة السامة وأمطار حمضية سوداء.


هناك أدلة قوية على أن جزءاً من سبب هذه المذبحة العشوائية هو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف، بينما أعلن وزير الحرب "بيت هيغسيث" أن الجيش الأمريكي سيبدأ في استخدام قنابل ضخمة (تزن ألفين رطل) تسبب دماراً عشوائياً بسبب نقص الذخائر الدقيقة.


لبنان كغزة ثانية

لا يقتصر الأمر على إيران، بل نرى الشيء نفسه في لبنان. هناك، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء قسرية غير قانونية، مما أدى إلى نزوح أكثر من مليون شخص (20% من سكان لبنان). وتخطط إسرائيل لاحتلال مساحة واسعة من الأراضي اللبنانية كـ "منطقة عازلة"، حيث تقوم بتسوية المنازل والمباني بالأرض بعد نهبها من قبل الجنود.


لقد قتل الجيش الإسرائيلي العشرات من المسعفين والصحفيين اللبنانيين، واستخدم الفسفور الأبيض فوق المناطق السكنية. صرح المسؤولون الإسرائيليون علناً بأنهم يستلهمون خططهم في لبنان من أفعالهم في غزة، بل واستخدموا الدمار في غزة كتهديد للبنان.


نحن جميعاً غزة الآن

ما نشهده الآن في الشرق الأوسط هو "غزونة" (Gazafication) الحروب. من الواضح أن إسرائيل وواشنطن مصممتان على جعل السلوك الإسرائيلي الأكثر رداءة وسادية في غزة هو المعيار الجديد لجميع حروبهما القادمة.


إن الالتزام بالقانون الدولي ليس مفتاح ضوء يمكن تشغيله وإطفاؤه حسب الرغبة. من خلال تمزيق هذا المفهوم، لا يرتكب مسؤولو ترامب وإسرائيل جرائم شنيعة فحسب، بل يخلقون عالماً أكثر وحشية حيث سيكون شعبهم في خطر أكبر. إن "غزونة" الحرب هي مقامرة كبرى، وحياتنا وحياة أطفالنا هي الرهان الذي يضعونه على الطاولة.

الرابط للمقال الأصلي : https://jacobin.com/2026/04/israel-gaza-iran-war-crimes?fbclid=IwY2xjawQ8djlleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFMSVhWTTdxWll3eEswc1g1c3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHs--9zphtG1_Cvmgb2spFgHLThjcNR5KB9dVjSk2QtpjlAfM9nMTXqJjw2ap_aem_PVyGPRFhnt2h4HS4ohaFMQ

الفيتو الثلاثي: صدع جديد في ميزان القوى العالمي

 

 الفيتو الثلاثي: صدع جديد في ميزان القوى العالمي

في مشهد لم يكن متوقعاً، وجدنا أنفسنا أمام تحول جذري في الخريطة الجيوسياسية لعام 2026. مجلس الأمن الدولي شهد موقفاً نادراً حين استخدمت روسيا والصين وفرنسا حق النقض (الفيتو) لإجهاض مبادرة عربية واسعة النطاق. المشروع المُعارض كان يقترح السماح بـ"استخدام القوة" لفتح مضيق هرمز من جديد، لكن الفيتو أوقفه، تاركاً الاقتصاد العالمي يتأرجح بين التوتر وعدم اليقين — وكل ذلك بفعل التدخل الأمريكي المتهور.

القصة بدأت عندما تقدمت دول الخليج بدعم أمريكي بمشروع قرار يهدف لكسر السيطرة البحرية الإيرانية على الممر الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية تقريباً. لكن ما حدث بعدها تجاوز مجرد خلاف دبلوماسي عابر. فمشاركة فرنسا — الدولة الغربية التقليدية — في هذا "الفيتو الثلاثي" كشفت عن تشققات عميقة في النظام الأمني الدولي الذي بنيناه معاً منذ الحرب العالمية الثانية، وأظهرت أن حتى الحلفاء بدأوا يشكون في سياسات واشنطن المتهورة.

لماذا قالت موسكو وبكين لا؟

المعارضة الروسية والصينية لم تأتِ من فراغ. هناك إرهاق واضح من التدخلات العسكرية الأمريكية المتكررة التي أغرقت المنطقة في الفوضى. من منظورهما، إغلاق إيران للمضيق ليس مجرد خطوة عدائية معزولة، بل رد فعل متوقع على الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية التي انطلقت في فبراير 2026. باستخدام الفيتو، ترسل موسكو وبكين رسالة واضحة: الأمم المتحدة ليست أداة لتبرير ما تراهما استخداماً مفرطاً وغير قانوني للقوة، والولايات المتحدة وحدها تتحمل مسؤولية تصعيد الأزمة وعرقلة الاستقرار العالمي.

فرنسا تختلف مع حلفائها

اللافت حقاً هو قرار باريس الوقوف إلى جانب روسيا والصين. فرنسا، التي اعتدنا رؤيتها في المعسكر الغربي، رفضت صيغة "جميع الوسائل اللازمة" للتدخل. هذا التحول يعكس رغبة أوروبية متنامية في تجنب الانجرار لحروب إقليمية واسعة تدفع بها الولايات المتحدة. مصطلح "الاستقلالية الاستراتيجية" يبرز هنا — فرنسا تفضل الدبلوماسية على التصعيد العسكري الأمريكي، حتى لو كان الثمن بعض الاضطرابات الاقتصادية المؤقتة.

العالم يدفع ثمن المغامرات الأمريكية

مع سقوط القرار، يبقى هرمز نقطة توتر حية. لكن من يتحمل المسؤولية الحقيقية؟ التداعيات لا تقتصر على السياسة، بل تمتد لتطال جيوب الناس في كل مكان:

أسواق الطاقة: تقلبات حادة في أسعار النفط، ومخاطر شحن متصاعدة، وتكاليف تأمين مرتفعة — كلها نتيجة مباشرة للتوتر الذي أشعلته الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية. لو كانت واشنطن تبنت نهجاً دبلوماسياً بدلاً من التهديد بالقوة، لما وصلنا لهذا الاحتقان.

تحالفات جديدة: بدون غطاء أممي، قد تلجأ أمريكا وحلفاؤها لتشكيل "تحالفات الراغبين" خارج إطار الأمم المتحدة، مما يُضعف دور مجلس الأمن كضامن للسلم الدولي. هذا التفكك في المؤسسات الدولية ثمن إضافي تدفعه البشرية جراء السياسات الأحادية الجانب.

هل ربحت إيران؟

في المدى القريب، نعم. الفيتو يمنح طهران غطاءً دبلوماسياً ثميناً. يمكنها الآن القول إن المجتمع الدولي منقسم، وأي تحرك عسكري أمريكي أو إسرائيلي لاحق يفتقر للشرعية الدولية. هذا يُعزز موقفها التفاوضي، ويُبقي المضيق ورقة ضغط استراتيجية في يدها، خاصة في سياق مفاوضات وقف إطلاق النار.

الفيتو الثلاثي في 2026 يُخبرنا أن القدرة على التوصل لمواقف دولية موحدة تجاه الأزمات الكبرى في تراجع، والسبب الرئيسي هو إصرار الولايات المتحدة على فرض إرادتها بالقوة. بينما تواصل أمريكا وإسرائيل عملية "الأسد الهادر" لإضعاف إيران، يُظهر الجمود في الأمم المتحدة عالماً مقسماً إلى ثلاثة معسكرات: من يدعون للتدخل، ومن يتمسكون بالسيادة مهما كلف الأمر، ومن يقفون في الوسط يراقبون.

فشل مشروع البحرين ليس مجرد خسارة دبلوماسية. إنه إعلان واضح: عهد "الشرطي العالمي الواحد" الذي تتصدره واشنطن ولّى، وحل مكانه نظام متعدد الأقطاب أكثر تعقيداً وأقل استقراراً — وكل ذلك بفعل السياسات الأمريكية التي جعلت الاستقرار العالمي رهينة لمغامراتها العسكرية.

 



الخميس، 2 أبريل 2026

انهيار التنسيق: رحلة العلاقات الروسية-الإسرائيلية من التفاهم إلى المواجهة

انهيار التنسيق: رحلة العلاقات الروسية-الإسرائيلية من التفاهم إلى المواجهة


أوكرانيا: الشروخ الأولى في جدار التفاهم


منذ انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وجدت إسرائيل نفسها في مأزق دبلوماسي حاد. فالولاء الاستراتيجي لواشنطن يفرض عليها موقفاً معيناً، بينما الحاجة العملية للتنسيق مع الكرملين في المجال السوري تستدعي الحياد أو ما يشبهه.


لكن "الحياد النسبي" هذا بدأ يتآكل مع تسريب معلومات عن تسهيلات إسرائيلية لإرسال منظومات دفاعية إلى كييف عبر قنوات غير مباشرة. رد الفعل الروسي لم يتأخر، إذ تصاعدت وتيرة الضغوط على النشاط اليهودي داخل روسيا، وارتفع سقف الخطاب السياسي الموجه لتل أبيب، مما أشار إلى أن موسكو لم تعد ترى في إسرائيل "شريكاً محلم تعد العلاقة بين موسكو وتل أبيب تحمل صفة "الاستراتيجية الهادئة" التي امتازت بها لسنوات. فما كان يُوصف بالتفاهم الضمني والتنسيق العملي تحت الطاولة، تحول اليوم إلى سطح من الاحتكاك المعلن والاتهامات المتبادلة. هذا التحول ليس نتيجة خلاف عابر، بل هو انعكاس لإعادة تشكيل جذرية في خريطة المواقف الدولية، حيث تتقاطع حربتا أوكرانيا وغزة لإنتاج واقع جديد يصعب على الطرفين استيعابه.



 هزة أكتوبر وانقلاب الموازين


كانت أحداث السابع من أكتوبر 2023 محطة فارقة في مسار العلاقة الثنائية. بدلاً من التضامن المفترض أو حتى الصمت الدبلوماسي، اختارت موسكو الانحياز الصريح لطرف آخر.


استقبال قادة من حركة حماس في العاصمة الروسية أثار صدمة في الأوساط الإسرائيلية، التي قرأت في الخطوة "تطبيعاً مع المنظمات المسلحة" على حساب العلاقة التاريخية مع الدولة اليهودية. في المحافل الدولية، وتحديداً في قاعة مجلس الأمن، تبنت روسيا لهجة نقدية غير مسبوقة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، ما اعتبرته تل أبيب "استثماراً سياسياً" في السوق العربية والإسلامية على حساب المصالح الإسرائيلية.


 التحالف مع إيران: نقطة اللاعودة


لعل أخطر ما طرأ على المشهد هو التحول في العلاقة الروسية-الإيرانية من تعاون تكتيكي إلى تحالف عسكري-تقني متنامٍ.


تدفق السلاح بين البلدين بات ثنائي الاتجاه: من جانب، استفادت روسيا من المخزون الإيراني من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية لاستخدامها في الجبهة الأوكرانية. من جانب آخر، تنامت المخاوف الإسرائيلية من إمكانية حصول طهران على تكنولوجيا عسكرية روسية متقدرة، سواء في مجال الدفاع الجوي أو المقاتلات الحديثة.


في المسرح السوري، حيث كانت التفاهمات الروسية-الإسرائيلية تحكم ضربات الطائرات الإسرائيلية، بدأت ملامح تغيير واضحة. تكررت حوادث التشويش الإلكتروني على أنظمة الملاحة، وتصاعدت الاعتراضات السياسية للغارات التي تستهدف مواقع إيرانية ولبنانية، مما أشار إلى أن "المنطقة الرمادية" التي كانت تسمح بحرية عمل إسرائيلية مقيدة باتت تضيق في مرحلة سبقت انهيار نظام الأسد. 


 لبنان: ساحة اختبار جديدة


مع تصاعد المواجهة العسكرية في جنوب لبنان خلال العامين الماضيين، برزت معطيات ميدانية أثارت تساؤلات حول طبيعة التورط الروسي غير المباشر. تقارير إسرائيلية تحدثت عن اكتشاف ترسانات من الأسلحة الروسية الصنع في مواقع تابعة لحزب الله، بما في ذلك صواريخ موجهة متطورة.


هذه الاكتشافات طرحت تساؤلات مشروعة: هل هي نتيجة تجارة سلاح غير رسمية عبر الأسواق السوداء؟ أم أن هناك تسامحاً روسياً متعمداً مع تسرب التسليح نحو حلفاء إيران في المنطقة؟ بغض النظر عن الإجابة، فإن مجرد وجودها في المتن العسكري للجماعات المناوئة لإسرائيل يُعد مؤشراً على تبدل في طبيعة العلاقة الروسية-الإسرائيلية.


إلى أين؟


يبدو أن الحقبة التي شهدت "تفاهماً غير مكتوب" بين بوتين ونتنياهو قد ولت إلى غير رجعة. اليوم، تجد روسيا في الشرق الأوسط أرضية خصبة لاستنزاف الموارد الغربية وتشتيت الانتباه عن أوكرانيا، حتى لو كان الثمن هو تصعيد مع إسرائيل. من جهتها، تدرك تل أبيب أنها تواجه دولة عظمى باتت أكثر عدائية، وأقرب إلى خصمها الاستراتيجي الأول، إيران، مما يفرض عليها إعادة حساب كامل لاستراتيجيتها الإقليمية.


المشهد المقبل يوحي بأن العلاقة ستتحول من "إدارة التفاهمات" إلى "إدارة الخلافات"، حيث تتقدم المصالح الجيوسياسية الكبرى على العلاقات الشخصية والتفاهمات الضمنية.



بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟

  بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟ في اللحظة التي كانت فيها سحب الدخان تغطي سماء الجنوب والبقاع، و...