الخميس، 2 أبريل 2026

انهيار التنسيق: رحلة العلاقات الروسية-الإسرائيلية من التفاهم إلى المواجهة

انهيار التنسيق: رحلة العلاقات الروسية-الإسرائيلية من التفاهم إلى المواجهة


أوكرانيا: الشروخ الأولى في جدار التفاهم


منذ انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وجدت إسرائيل نفسها في مأزق دبلوماسي حاد. فالولاء الاستراتيجي لواشنطن يفرض عليها موقفاً معيناً، بينما الحاجة العملية للتنسيق مع الكرملين في المجال السوري تستدعي الحياد أو ما يشبهه.


لكن "الحياد النسبي" هذا بدأ يتآكل مع تسريب معلومات عن تسهيلات إسرائيلية لإرسال منظومات دفاعية إلى كييف عبر قنوات غير مباشرة. رد الفعل الروسي لم يتأخر، إذ تصاعدت وتيرة الضغوط على النشاط اليهودي داخل روسيا، وارتفع سقف الخطاب السياسي الموجه لتل أبيب، مما أشار إلى أن موسكو لم تعد ترى في إسرائيل "شريكاً محلم تعد العلاقة بين موسكو وتل أبيب تحمل صفة "الاستراتيجية الهادئة" التي امتازت بها لسنوات. فما كان يُوصف بالتفاهم الضمني والتنسيق العملي تحت الطاولة، تحول اليوم إلى سطح من الاحتكاك المعلن والاتهامات المتبادلة. هذا التحول ليس نتيجة خلاف عابر، بل هو انعكاس لإعادة تشكيل جذرية في خريطة المواقف الدولية، حيث تتقاطع حربتا أوكرانيا وغزة لإنتاج واقع جديد يصعب على الطرفين استيعابه.



 هزة أكتوبر وانقلاب الموازين


كانت أحداث السابع من أكتوبر 2023 محطة فارقة في مسار العلاقة الثنائية. بدلاً من التضامن المفترض أو حتى الصمت الدبلوماسي، اختارت موسكو الانحياز الصريح لطرف آخر.


استقبال قادة من حركة حماس في العاصمة الروسية أثار صدمة في الأوساط الإسرائيلية، التي قرأت في الخطوة "تطبيعاً مع المنظمات المسلحة" على حساب العلاقة التاريخية مع الدولة اليهودية. في المحافل الدولية، وتحديداً في قاعة مجلس الأمن، تبنت روسيا لهجة نقدية غير مسبوقة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، ما اعتبرته تل أبيب "استثماراً سياسياً" في السوق العربية والإسلامية على حساب المصالح الإسرائيلية.


 التحالف مع إيران: نقطة اللاعودة


لعل أخطر ما طرأ على المشهد هو التحول في العلاقة الروسية-الإيرانية من تعاون تكتيكي إلى تحالف عسكري-تقني متنامٍ.


تدفق السلاح بين البلدين بات ثنائي الاتجاه: من جانب، استفادت روسيا من المخزون الإيراني من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية لاستخدامها في الجبهة الأوكرانية. من جانب آخر، تنامت المخاوف الإسرائيلية من إمكانية حصول طهران على تكنولوجيا عسكرية روسية متقدرة، سواء في مجال الدفاع الجوي أو المقاتلات الحديثة.


في المسرح السوري، حيث كانت التفاهمات الروسية-الإسرائيلية تحكم ضربات الطائرات الإسرائيلية، بدأت ملامح تغيير واضحة. تكررت حوادث التشويش الإلكتروني على أنظمة الملاحة، وتصاعدت الاعتراضات السياسية للغارات التي تستهدف مواقع إيرانية ولبنانية، مما أشار إلى أن "المنطقة الرمادية" التي كانت تسمح بحرية عمل إسرائيلية مقيدة باتت تضيق في مرحلة سبقت انهيار نظام الأسد. 


 لبنان: ساحة اختبار جديدة


مع تصاعد المواجهة العسكرية في جنوب لبنان خلال العامين الماضيين، برزت معطيات ميدانية أثارت تساؤلات حول طبيعة التورط الروسي غير المباشر. تقارير إسرائيلية تحدثت عن اكتشاف ترسانات من الأسلحة الروسية الصنع في مواقع تابعة لحزب الله، بما في ذلك صواريخ موجهة متطورة.


هذه الاكتشافات طرحت تساؤلات مشروعة: هل هي نتيجة تجارة سلاح غير رسمية عبر الأسواق السوداء؟ أم أن هناك تسامحاً روسياً متعمداً مع تسرب التسليح نحو حلفاء إيران في المنطقة؟ بغض النظر عن الإجابة، فإن مجرد وجودها في المتن العسكري للجماعات المناوئة لإسرائيل يُعد مؤشراً على تبدل في طبيعة العلاقة الروسية-الإسرائيلية.


إلى أين؟


يبدو أن الحقبة التي شهدت "تفاهماً غير مكتوب" بين بوتين ونتنياهو قد ولت إلى غير رجعة. اليوم، تجد روسيا في الشرق الأوسط أرضية خصبة لاستنزاف الموارد الغربية وتشتيت الانتباه عن أوكرانيا، حتى لو كان الثمن هو تصعيد مع إسرائيل. من جهتها، تدرك تل أبيب أنها تواجه دولة عظمى باتت أكثر عدائية، وأقرب إلى خصمها الاستراتيجي الأول، إيران، مما يفرض عليها إعادة حساب كامل لاستراتيجيتها الإقليمية.


المشهد المقبل يوحي بأن العلاقة ستتحول من "إدارة التفاهمات" إلى "إدارة الخلافات"، حيث تتقدم المصالح الجيوسياسية الكبرى على العلاقات الشخصية والتفاهمات الضمنية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟

  بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟ في اللحظة التي كانت فيها سحب الدخان تغطي سماء الجنوب والبقاع، و...