الجمعة، 27 مارس 2026

من "اتفاقية القاهرة" إلى "جبهات الإسناد":

 من "اتفاقية القاهرة" إلى "جبهات الإسناد":

اسقاط الشهابية كمقدمة لصناعة لبنان الساحة.
لا يمكن فهم الواقع العسكري والسياسي الذي يعيشه لبنان اليوم بمعزل عن التصدعات الكبرى التي حدثت في نهاية الستينيات. إن الصراع الدائر اليوم (2024 - 2026) ليس وليد الصدفة، بل هو الامتداد التاريخي لقرار "شرعنة" العمل المسلح خارج إطار الدولة، وهو القرار الذي مرّ عبر مخاض عسير بدأ بسقوط "الشهابية" وصعود "الحلف الثلاثي".

1. تصدّع الداخل: "الحلف الثلاثي" والمظلة الغربية
بدأ الانزلاق حين نجح "الحلف الثلاثي" (شمعون، إده، الجميل) في انتخابات 1968 بضرب "النهج الشهابي". لم يكن هذا الحلف مجرد تكتل محلي، بل حظي بدعم ورعاية غربية (أمريكية وفرنسية) واضحة.

الأدلة السياسية: كشفت التقارير الدبلوماسية والوثائق المسربة عن ترحيب واشنطن بكسر هيبة "المكتب الثاني" (الاستخبارات العسكرية) الذي كان يوازن بدقة بين السيادة والعروبة.

خطاب "الحياد": رأت العواصم الغربية في خطاب الحلف الثلاثي "سدّاً منيعاً" ضد التمدد الناصري والسوفيتي، مما شجع أقطاب الحلف على المطالبة بتدويل الأزمة واستدعاء قوات دولية، وهو ما اعتبره المعسكر العربي تهديداً مباشراً لأمنه القومي.

2. عبد الناصر في مواجهة "حلف بغداد الجديد"
في القاهرة عام 1969، لم يكن جمال عبد الناصر يمارس دور "المستغل" بقدر ما كان يمارس دور "المحاصر". لقد تحرك بعقلية الدفاع عن المعقل الأخير أمام ضغوط جيوسياسية هائلة:

فوبيا الأحلاف الغربية: عبرت صحيفة "الأهرام" وإذاعة "صوت العرب" آنذاك عن قلق ناصر العميق من أن يكون صعود الحلف الثلاثي مقدمة لعودة سياسة الأحلاف (على غرار حلف بغداد 1955) من البوابة اللبنانية، مما قد يحول بيروت إلى قاعدة استخباراتية معادية لمصر.

المزايدة السورية والبعثية: كان النظام في دمشق يزايد على ناصر في دعم الفدائيين، مما وضعه أمام خيارين: إما الصدام مع الشارع العروبي، أو احتواء العمل المسلح باتفاقية منظمة.

تأطير الفوضى: مع تفلّت السلاح الفلسطيني في الجنوب، قدم ناصر "اتفاقية القاهرة" كـ "إطار تنظيمي" اضطراري لمنع انفجار حرب أهلية كان يراها قادمة بسبب الاستقطاب الحاد بين يمين مدعوم غربياً ويسار وفلسطينيين مدعومين عربياً.

3. من "فتح لاند" إلى "المقاومة الإسلامية"
شرعنت اتفاقية القاهرة أول "تنازل سيادي" رسمي تحت وطأة هذه الظروف، حيث وُلد مفهوم "ساحة المساندة". ومع تغير الزمان وتطور الأيديولوجيا من "العمل الفدائي" إلى "المقاومة الإسلامية" (حزب الله)، ظل الجوهر البنيوي واحداً: تحول الجنوب اللبناني إلى ساحة لتصفية حسابات المحاور الكبرى وتوازن الردع الإقليمي.

إن ما يشهده لبنان اليوم هو الثمرة المرة لتلك الحقبة. فالدعم الغربي للحلف الثلاثي أدى لإضعاف "الدولة الشهابية" التي كانت قادرة على ضبط التوازنات، مما دفع ناصر "مضطراً" لفرض اتفاقية القاهرة كخيار لملء الفراغ السيادي. تلك الاتفاقية لم تكن مجرد وثيقة تاريخية، بل كانت الحجر الأساس الذي قام عليه "لبنان الساحة"، والذي لا نزال نعيش تداعياته في كل مواجهة حدودية تجري اليوم.
( الصورة : الزعيم جمال عبد الناصر والرئيس فؤاد شهاب في مباحثات على الحدود السورية اللبنانية )


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟

  بين أزيز الرصاص ووعود "السلام": هل يولد الاستقرار من رحم الرماد؟ في اللحظة التي كانت فيها سحب الدخان تغطي سماء الجنوب والبقاع، و...